post

عسير تاريخ ضارب في القدم - الجزء 1

بقلم: سعيد القرني
التاريخ: 2020-04-12

إن لموقع منطقة عسير خلال الفترات التاريخية القديمة حتى وقتنا الحالي مزايا جعلت منه نقطة وصل على طرق التجارة القديمة، وفي هذه الأجزاء سنحاول جاهدين تسليط الضوء على منطقة عسير وأهميتها خلال الفترات التاريخية المتعاقبة وأهم المواقع الأثرية بها.

لقد بدأ الاستيطان في المنطقة قبل مئات الالاف من السنين، في الوقت الذي كان فيه الإنسان لا يزال يمارس الصيد وجمع قوت يومه باستخدام أدوات حجرية بسيطة، حيث ساعدته أيضا على الدفاع عن نفسه.

وقد كانت هذه المواد هي المتوفرة آنذاك في الطبيعة وفي متناول يده إلى جانب العظام والأخشاب التي ربما ‏كانت تستخدم على شكل مقابض تثبت فيها بعض الأدوات الحجرية والتي كانت أقدر المواد على البقاء، حيث تمكن العلماء عن طريقها من التعرف على المراحل التي مرت بها الصناعات الحجرية خلال مختلف العصور.

إن الباحث في جيولوجيا منطقة عسير سيجد التنوع الملحوظ والكبير في الخامات الحجرية مثل الاحجار البركانية أو ما يسمى بالحرات (كحرات محافظة البرك والقحمه والحريضه ) على ساحل البحر الأحمر ،‏إضافة إلى  الصخور النارية ( الاندسايت ، والرايوليت ، والبازلت ) والتي ساهمت في توفر المواد الأولية للجماعات البشرية لاستخدامها في صناعة أدواتها وأسلحتها، حيث تمثل هذه الفترة فترة ما قبل التاريخ.

إن فترة ما قبل التاريخ أو ما يعرف بالعصور الحجرية قد مرت على مراحل ابتداء ‏من العصر الحجري القديم والذي يعد أطول مراحل حياة الإنسان، حيث إنسان هذه المرحلة استمر في  ممارسة  الصيد،  وشهدت هذه المرحلة  صناعة الأدوات الحجرية وتطورات عدة، ولذلك يقسم العلماء هذا العصر الى ثلاث مراحل رئيسة هي العصر الحجري القديم الأدنى والذي يبدأ قبل‏ أكثر من مليون سنة وتمثله حضارتين هما الحضارة الألدوانية والتي تميزت  بظهور أنواع من الأدوات الحجرية تعرف باسم الأدوات الألدوانية نسبة الى موقع أولد فاي بإفريقيا وهو أحد أشهر مواقع العصور الحجرية بالعالم، وفي منطقة عسير لم يتم العثور على أدوات تحمل ‏سمات الحضارة الألدوانية بشكل واضح، و الحضارة الأخرى هي الحضارة الآشولية والتي اشتهرت  بأدواتها المميزة المنتشرة في كافة أنحاء الجزيرة العربية، وفي منطقة ‏ عسير تم العثور على عدد من المواقع الأثرية التي تحتوي على أدوات هذا العصر، والتي تمثلت في الأدوات ثنائية الوجه وثلاثية السطوح المستدقة الطرف" الرمحية "، إلى جانب الأدوات المستديرة، والسواطير، والسكاكين ذات النصلين، والقواطع، والفؤوس اليدوية، والنوى الحجرية، والتي كانت تصنع‏ من الأحجار الطبيعية في صناعة الأدوات الآشولية، وذلك تبعاً لجيولوجية المنطقة.

ويعد العصر الحجري القديم الأوسط واحدا من أهم الفترات الحضارية في المملكة العربية السعودية، والذي يعتقد بأنه استمر فترة طويلة نسبياً مقارنة بمناطق أخرى محيطة بالجزيرة العربية،‏ وفي منطقة عسير تم العثور على مواقع عديدة تنتمي الى هذا العصر، حيث أمكن تمييز نوعين من الأدوات ذات سمات آشولية، وهي الأدوات الموستيرية ذات الطابع الآشولي، بينما يمثل النوع الثاني مجموعة الأدوات المصنوعة بأسلوب الليفا لوايز، وتم العثور عليها في وادي تثليث، وجنوب محافظة ظهران الجنوب وهي تشبه الى حد كبير المواد التي عثر عليها في مواقع أثرية ببئر حمى بمنطقة نجران.

ولعل أهم ما يميز أدوات العصر الموستيري في هذه المنطقة هو وجودها الى جانب أدوات أخرى في أغلب الأحيان، ويدل تعدد أنواع الأدوات الحجرية وكثرتها على تطور مستوى الصناعة الحجرية وتخصصها بحيث تستخدم أنواع معينة من الأدوات في مجالات محددة.‏

أما العصر الحجري الحديث والذي مثل نقلة نوعية في حياة الإنسان في العديد من التطورات التي لم تقتصر على صناعة الأدوات الحجرية التي تميزت بالدقة المتناهية والتنوع فحسب، بل صاحب ذلك محاولات الإنسان في بناء المساكن واستئناس الحيوانات، حيث انتقل الإنسان تدريجياً في هذا العصر‏‏ من حياة الصيد وجمع القوت الى حياة الإستقرار والزراعة والرعي، وهي  الخطوات الأولى نحو تشكيل المجتمعات، وبداية الإنتاج الزراعي والرعوي، ونشوء الحرف، وظهور التنظيمات السياسية والاقتصادية، لذا لا غرابة في أن ما يميز هذا العصر في منطقة عسير هو العثور على منشآت عمرانية تعود إلى نفس الحقبة التي تنتمي اليها هذه الأدوات، حيث تم العثور على عدد كبير من المواقع التي تحتوي على منشآت حجرية دائرية، تمثل قرى العصر الحجري الحديث على الأرجح، وتتوزع في‏ أماكن عديدة من مرتفعات عسير، ويبدو أن هذه الإنشاءات كانت مسقوفة من أغصان وجذوع الأشجار.

ولا يخفى على القارئ الكريم أن التطورات الثقافية في حياة الإنسان خلال تلك الحقبة من الزمن نقلته من عصور ما قبل التاريخ الى العصور التاريخية حيث كانت الرسوم الصخرية بدايتة نحو هذه النقلة النوعية في تدوين أفكاره وخواطره والأحداث التي تدور من حوله، ونقلها للآخرين،‏ لذا فإن محاولات الإنسان للكتابة كانت عن طريق الرسم أو التصوير على الكهوف والصخور وبعض المواد الأخرى حسب توافرها، حيث تكمن أهمية الرسوم الصخرية في أنها تعطي فكرة عن حياة الإنسان، وقد مكنتنا من معرفة الكثير عن نشاطاته اليومية ومنها صيده للحيوانات، أو دفاعه عن نفسه، وعن ملابسة‏ وأسلحته وحليه، وكذلك عن الحيوانات التي كانت تعيش في بيئته.

إن منطقة عسير إحدى المناطق التي استوطنها الإنسان من آلاف السنين، وكانت الرسوم الصخرية أحد نشاطاته اليومية التي سجل من خلالها العديد من المشاهد عن حياته خلال فترات تاريخية مختلفة، بدأت منذ العصر الحديث وشكلت الرسوم الصخرية الآدمية والحيوانية والنباتية أحد ابرز تطوراته،‏ واستمرت خلال العصور التاريخية حتى بداية العصر الإسلامي الذي ربما اختفت فيه الرسوم التصويرية إلى حد كبير، فيما استمرت فيه الكتابات.


تويتر: @kassimalwaqt

عدد المشاهدات : 944


مشاركة الخبر